أحمد مصطفى المراغي
16
تفسير المراغي
أذى المشركين ، وشدائد الهجرة وغيرهما من الجهود والمشاقّ ، وتوكلوا على ربهم فيما يأتون وما يذرون ، كأرزاقهم وجهاد أعدائهم ، فلا ينكلون عنهم ، ولا يتراجعون ثقة منهم بأن اللّه معل كلمتهم ، وموهن كيد الكافرين ، وأنّ ما قسم لهم من الرزق من يفوتهم . ثم ذكر سبحانه أن مما يعين على التوكل عليه معرفة أنه الكافي أمر الرزق في الوطن والغربة فقال : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) أي هاجروا أيها المؤمنون باللّه ورسوله ، وجاهدوا أعداءه ، ولا تخافوا عيلة ولا إقتارا ، فكم من دابة ذات حاجة إلى الغذاء والمطعم لا تطيق جمع قوتها ولا حمله ، فترفعه من يومها لغدها عجزا منها عن ذلك ، اللّه يرزقها وإياكم يوما بيوم وساعة فساعة ، وهو السميع لقولكم نخشى من فراق أوطاننا العيلة ، العليم بما في أنفسكم ، وإليه يصير أمركم وأمر عدوكم من إذلال اللّه إياه ونصرتكم عليه ولا تخفى عليه خافية من أمور خلقه . روى ابن عباس « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال للمؤمنين بمكة حين آذاهم المشركون : اخرجوا إلى المدينة وهاجروا ، ولا تجاوروا الظلمة ، قالوا ليس لنا بها دار ولا عقار ، ولا من يطعمنا ، ولا من يسقينا ، فنزلت الآية » . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 61 إلى 63 ] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 61 ) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 62 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 63 )